صديق الحسيني القنوجي البخاري

86

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي بليغ العزة والحكمة ، في تمكينه رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم ، وتأييده عليه ، واختياره إياه من بين كافة البشر . ذلِكَ أي ما تقدم ذكره أو الإسلام قاله الكلبي أو الوحي والنبوة قاله قتادة أو إلحاق العجم بالعرب أو الدين قاله ابن عباس ، والفضل الذي أعطاه محمدا صلى اللّه عليه وسلم وهو أن يكون نبي أبناء عصره ، ونبي أبناء العصور الغوابر قاله النسفي فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ أي يعطيه مَنْ يَشاءُ إعطاءه ، وتقتضيه حكمته وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي لا يساويه فضل ولا يدانيه ، ولما ترك اليهود العمل بالتوراة ، ولم يؤمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ضرب اللّه لهم مثلا فقال : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ أي كلفوا القيام بها والعمل بما فيها ، وقال الجرجاني : حملوا من الحملة بمعنى الكفالة ، لا من الحمل على الظهر ، والحميل هو الكفيل أي ضمنوا أحكام التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها أي لم يعملوا بموجبها ، ولا أطاعوا ما أمروا به فيها ، ولم يؤدوا حقها كَمَثَلِ الْحِمارِ الذي هو أبلد الحيوان فخص بالذكر ، لأنه في غاية الغباوة . يَحْمِلُ أَسْفاراً حال أو صفة للحمار ، إذ ليس المراد به حمارا معينا ، فهو حكم النكرة ، إذ المراد به الجنس ، وقرأ المأمون بن هارون الرشيد يحمل مشددا مبنيا للمفعول ، والأسفار جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير ، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء قال ابن عباس : أسفارا كتبا أي كبارا من كتب العلم ، قال ميمون بن مهران : الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل ، فهكذا اليهود ، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله ، وهذا المثل يلحق من لم يفهم معاني القرآن ولم يعمل بما فيه وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه ، ولهذا قال ميمون بن مهران : يا أهل القرون اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ، ثم تلا هذه الآية ثم ذم هذا المثل ، والمراد منه ذمهم فقال : بِئْسَ مثلا مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ على أن التمييز محذوف والفاعل المفسر به مضمر ، ومثل القوم هو المخصوص بالذم ، أو مثل القوم فاعل بئس ، والمخصوص بالذم الموصول بعده على حذف المضاف ، أي مثل الذين كذبوا ويجوز أن يكون الموصول صفة للقوم ، فيكون في محل جر ، والمخصوص بالذم محذوف ، والتقدير بئس مثل القوم المكذبين ، مثل هؤلاء والمراد بالآيات محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما أتى به من آيات القرآن وقيل : المراد آيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني الكافرين على العموم ، فيدخل فيهم اليهود دخولا أوليا والمراد بهم الذين سبق في علمه أنهم لا يؤمنون ، وإلا فقد هدي كثيرا من الكفار .